هوية جديدة في الشمال السوري..
حديقة "أردوغان" ومشروع تغيير ديموغرافي شامل

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -متابعة   

تشهد مناطق سيطرة الفصائل الموالية لأنقرة في شمال سوريا، ولا سيما في محيط حلب وعفرين، تسارعاً في مؤشرات سياسة "التتريك" الممنهجة، والتي باتت تتجاوز الطابع الخدمي إلى فرض رموز سياسية وهوية جديدة على الفضاء العام، في خطوات تتوالى بإشراف تركي وتوافق رسمي من سلطة الأمر الواقع في دمشق.


أحدث هذه الخطوات، الإعلان عن إنشاء حديقة وطنية كبرى في قلب مدينة حلب تحمل اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وجاء الإعلان على لسان رئيسة بلدية حلب الجديدة، فاطمة شاهين، والتي أكدت أن المشروع يأتي بموجب بروتوكول تعاون مع محافظة حلب. ويمتد المشروع على مساحة تتجاوز 150 ألف متر مربع، وقدمته الجهات المنفذة باعتباره "رمزاً لمستقبل مشترك"، في دلالة سياسية تزامنت مع أول زيارة لشاهين إلى المدينة.


هذه الخطوة لم تأت من فراغ، بل تندرج في سياق سياسة منهجية تنتهجها أنقرة في الشمال السوري، كان أبرز محطاتها المنطقة المحتلة في عفرين. ففي المدينة والقرى المحيطة بها، جرى تنفيذ تغييرات واسعة في المسميات، حيث تحولت ساحة "آزادي" إلى "ساحة أتاتورك"، كما طالت التغييرات أسماء قرى في ناحية بلبل، وتم استبدالها بأسماء تركية، في مساس مباشر بالذاكرة المحلية وإعادة صياغة للهوية.


لم يقتصر المشروع على تغيير اللوحات، بل امتد إلى مفاصل الحياة اليومية. فالمدارس والجامعات في تلك المناطق تشهد توسعاً ملحوظاً في حضور اللغة التركية، إلى جانب رفع الأعلام التركية فوق الدوائر الخدمية والمؤسسات الرسمية، واعتماد مناهج تعليمية تحت إشراف تركي، ما يعكس تغلغلاً في الإدارة المدنية والتعليم.


وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، يلاحظ المراقبون أن سلطة دمشق الحالية بقيادة أحمد الشرع لا تقف موقف المتفرج، بل تتيح الغطاء القانوني لهذه المشاريع عبر بروتوكولات التعاون والتفاهمات الإدارية، ما يمنحها صفة الشرعية ويمهد لتمرير أجندة تركيا في عمق الجغرافيا السورية. وبذلك، تتحول المنطقة الشمالية إلى ساحة مفتوحة لتثبيت النفوذ التركي، سواء عبر الرموز السياسية أو عبر الأدوات التعليمية والخدمية.


ويبقى ملف "التتريك" من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السوري، في ظل تساؤلات متزايدة حول حدود السيادة الوطنية، ودور سلطة دمشق في ترسيخ هذا المسار أو تحمّل مسؤولية مواجهته.